السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
100
مفاتيح الأصول
وحكي عن الفراء والغزالي القول بعدم إفادتها الترتيب مطلقا وعن بعض عدم إفادتها التعقيب مطلقا وقال في العدّة وذهب المرتضى إلى أنها تفيد الترتيب وخالف في أنها تفيد التعقيب من غير تراخ بل قال ذلك موقوف إلى الدّليل وعن الجرمي عدم إفادته إياه في البقاع والأمطار وقال في المعارج ومنهم من جعلها للتّراخي أيضا انتهى وتحقيق الكلام هنا يقع في مقامات الأول اعلم أنّ المراد بالتعقيب الترتيب بلا مهلة كما صرّح به العلامة وغيره لأنه المتبادر منه عند الإطلاق والتعقيب في كلّ شيء بحسبه والمرجع فيه إلى العرف فرب فعلين يعدّ الثاني عقيب الأوّل عادة وإن كان بينهما أزمان كثيرة كما في قوله تعالى فخلقنا النّطفة علقة وصرّح بما ذكر العلامة ونجم الأئمة والشهيد الثاني والمحقق البهائي وصاحب غاية البادي وفخر المحققين والسيّد عميد الدّين وصاحب جمع الجوامع كما عن الحاجبي ولكن قال الدّماميني في شرح المغني والذي يظهر من كلام جماعة أن استعمال الفاء فيما تراخى زمان وقوعه عن الأوّل سواء قصر في العرف أو لا إنما هو بطريق المجاز وفيه نظر بل التحقيق ما ذكره الجماعة الثاني اعلم أنّه إذا كانت الفاء للتعقيب نحو قوله جاءني زيد فعمرو وأكرم زيدا فعمرا أفادت الترتيب بلا مهلة للإجماعات المتقدمة المعتضدة بالتبادر فالقول بالمنع من إفادتها ذلك مطلقا أو في الجملة لو سلَّم ضعيف والاستعمال في خلاف الترتيب لو سلم لا يصلح معارضته لما سبق كما لا يصلح لها صحة التّقييد بالتعقيب مع وجود الفاء إن سلَّمت حينئذ ما سبق كالنّص بالنسبة إلى هذين فيقدم الثالث اعلم أن مقتضى إطلاق العبائر المتقدّمة المتضمنة لدعوى الإجماع كون الفاء الجزائية للتعقيب بلا مهلة أيضا وعبارة الشيخ في التهذيب كالصّريح فيه وفي دعوى الإجماع عليه وقد صار إليه أيضا في الخلاف وكذا صار إليه ابن زهرة والعلامة والسّيّد عميد الدّين ونجم الأئمة وجماعة من العامة واحتجّ على ذلك بأنها لو لم يكن للتعقيب لما صحّ دخولها على الجزاء إذا كان اسما نحو من جاءني فله درهم والتالي باطل فالمقدم مثله أمّا الملازمة فلأنها لو لم يكن للتعقيب لكانت لغيره فينافي ما ثبت من وجوب حصول الجزاء عقيب الشّرط فلا يصحّ دخولها عليه وأمّا بطلان التالي فلما تقرّر في العربية من لزوم دخولها عليه حينئذ وفيه نظر واضح والأقرب عندي أنها لا تفيد ذلك وفاقا للمحقق الثاني والمحقق الخونساري وصاحب الكشف والتفتازاني بل حكي عن الأكثر ومنهم الشّهيد الثاني على الظاهر لعدم تبادره من الإطلاق وصدق الأمثال مع التراخي في نحو قوله إن جاءك زيد فأكرمه وقبول مدخولها قيدي الفور والتراخي فيصح أن يقال في المثال فأكرمه بعد مدة أو فورا من غير تأكيد ولا تجوز ولا يعارض ما ذكر الإجماعات المتقدمة لوهنها هنا بمصير من أشرنا إليهم إلى المختار مع احتمال تنزيل إطلاقها على غير محل البحث فإذن لا دلالة لقوله إذا دخل الوقت فتوضأ على وجوب الإتيان بالوضوء بعد دخول الوقت فورا نعم يدل على تحقق الوجوب وتعلَّقه بالمأمور بعد ذلك بلا فصل ولعلّ هذا مراد من قال بإفادتها التعقيب ولكن هذا غير مستفاد من القائل من ترتب الجزاء على الشرط فيكون خارجا عن محلّ البحث تنبيه اعلم أنّه جوز نجم الأئمة كما عن ابن برهان أن تكون الفاء زائدة خلافا للمحكي عن سيبويه فمنع منها مطلقا وللمحكي عن الأخفش فمنع منها في غير الخبر وجوّزها فيه وعن الفراء والأعلم وجماعة تخصيص الجواز بكون الجزاء أمرا ونهيا وكيف كان فلا يجوز العدول إليها إلَّا لدليل لمخالفتها الأصل كما أنّ جعلها للاستئناف إن سلَّم مجيئها له كما عن بعض مخالف للأصل مفتاح اختلف القوم في مدلول الواو العاطفة الذي يجب حمل الإطلاق عليه على أقوال الأوّل أن مدلولها الترتيب بين المعطوف والمعطوف عليه فإذا قيل اضرب زيدا وعمراً كان معنا اضرب زيدا أولا وعمراً ثانيا فلو قدم ضرب عمرو لم يكن ممتثلا وهو اختيار العلامة في المنتهى كما عن الفراء والكسائي وتغلب والربعي وابن درستويه وأبي جعفر الدينوري وأبي عمرو الزاهد وهشام وقطرب وأبي عبيدة والشافعي وأصحابه وأبي حنيفة والكوفيين وجماعة من الأصوليين وفي الخلاف عزاه إلى أكثر النحويين الثّاني أن مدلولها المعيّة فإذا قيل اضرب زيدا وعمراً كان معناه اضربهما في آن واحد وهو اختيار ابن كيسان وبعض الحنفية على ما حكي عنهما الثالث أن مدلولها الترتيب والمعيّة وأنها موضوعة لهما بالاشتراك اللفظي وهو اختيار بعض الأفاضل الرابع أن مدلولها الجمع المطلق بمعنى أنها تجمع بين أمرين فصاعدا في ثبوت نحو ضرب زيد وأكرم عمرو اضرب زيدا وعمراً أو في ذات نحو ضرب وأكرم عمرو ولا دلالة فيها على الترتيب بين المعطوف والمعطوف عليه ولا المعيّة وهو اختيار الأكثر كالشيخ والفاضلين والسّيّد عميد الدّين وثاني الشّهيدين ونجم الأئمة والمحقق البهائي وصاحب غاية البادي والحاجبي والعضدي والتفتازاني والبيضاوي وابن هشام والزمخشري وخالد الأزهري وغيرهم وحكي عن سيبويه أنّه صرح به في سبعة عشر موضعا من كتابه ولهم وجوه الأوّل أن الجمع المطلق معنى يشتد الحاجة إلى التعبير عنه فيجب وضع لفظ بإزائه ولا لفظ سوى الواو أمّا المقدمة الأولى فواضحة وأمّا الثّانية فلأن ما عدا الواو من حروف العطف ليست للجمعيّة المطلقة فانحصر أن يكون الواو لها لا يقال كما أن الجمع المطلق معنى يشتد الحاجة إلى التعبير عنه كذلك الترتيب المطلق والمعيّة معنيان تشتد الحاجة إلى التعبير عنهما ولا لفظ سوى الواو فإنّ ما عداها من حروف العطف لا يدلّ على ذلك بل